مصدر الصورة: وكالة الصحافة الفرنسية
25-11-2021, 15:30



قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن السلطات العراقية لم تعلن حتى الآن أي نتائج للتحقيقات التي قالت إنها تجريها بشأن مقتل ما يزيد عن 600 متظاهر خلال احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وفقاً لما أدلى به هشام داود مستشار رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي في (30 تموز/يوليو 2020).


ورغم أن حكومة مصطفى الكاظمي التي مُنحت الثقة من قبل البرلمان العراقي في (6 آيار/مايو 2020) وعدت بالكشف عن النتائج مراراً، إلا أن ذلك لم يحدث، ما أفقد عائلات الضحايا وزملائهم الأمل بتحقق العدالة.


وأسفرت عمليات إطلاق النار وقنابل الدخان صوب المحتجين -الذين استمروا لأكثر من عام يطالبون في شوارع وساحات مدن وسط وجنوب العراق، بتحسين الخدمات العامة ومكافحة الفساد في دوائر الدولة وتوفير فرص عمل- عن إصابة أكثر من 25 ألف محتج أيضاً".


قال نشطاء شاركوا في الاحتجاجات خلال مقابلات مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن "ملف محاسبة قتلة المتظاهرين ليس من أولويات الحكومة، وهناك مساع سياسية للضغط على الحكومة لعدم فتحه".


وأضافوا، أن "ملف قتل المتظاهرين أكبر من أي حكومة، وهو قرار سياسي أكثر من كونه قراراً قضائياً، لأن الإعلان عن نتائج التحقيق ستظهر تورط رؤوس كبيرة في قتل الشباب الذين طالبوا بحقوقهم".


وحتى بعد عودة المحتجين إلى منازلهم، تواصلت عمليات القتل والاغتيال مستهدفة ناشطين ووجوه بارزة شاركت في الاحتجاجات ورُعت عائلات بعضهم بتفجيرات استهدفت منازلهم حتى وقت قريب.


ولم تعلن السلطات أبداً نتائج التحقيقات في تلك الحوادث واكتفت بالقول إنها استدعت العديد من ضباط وعناصر الأمن ودونت إفاداتهم فضلاً عن ذوي الضحايا الذين وجهوا الاتهامات في بعض الحالات لأشخاص محددين لكن لم تجرٍ ملاحقتهم ثم اشتكى بعضهم من تعرضهم لضغوطات من أجل التنازل عن الدعاوى القضائية التي تقدموا بها للمحاكم.


ويقول الكثير من ذوي الضحايا وناشطون شاركوا في الاحتجاجات، إنهم "يملكون أدلة توثق لحظات قتل المحتجين داخل وقرب ساحات الاحتجاج وكذلك حالات اغتيال ناشطين تحت مرأى الكاميرات، ما يعني سهولة تتبع هذه الحوادث والوصول إلى منفذيها لكن الأجهزة الأمنية والقضائية لم تفعل شيئاً من هذا القبيل".


ويشكك هؤلاء فيما تدعيه السلطات حول محاكمتها لبعض الضباط وعناصر الأمن المتهمين بالمشاركة في تلك الجرائم، ويطلبون معرفة التفاصيل وآلية المحاكمة وما صدر خلالها من أحكام "مزعومة".


قال عامل في السلك الأمني العراقي للمرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن "ملف قتل المتظاهرين طوي وانتهى. لم تعد هناك ملاحقات أو تحقيقات مع عناصرها المشتبه تورطهم في هذه القضايا".


وقال مسؤول حكومي آخر تحدث للمرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن "دعاوى وملف قتل متظاهري تشرين نائم الآن في خزانات المحاكم" على حد تعبيره.


قال محلل البيانات في المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن "غياب نتائج التحقيق في قتل المحتجين والنشطاء، سببه عدم وجود رغبة وجدية لدى السلطات الأمنية والقضائية في متابعة تلك القضايا لأنها مرتبطة بالملف السياسي".


وأضاف، أن "بعض المسؤولين يبررون تقاعسهم المريب عن تنفيذ هذه الواجبات الملقاة على عاتقهم بأن ملاحقة الجناة ستربك الأمن العام والمشهد السياسي في العراق وذلك رغم ارتباط هذه المسألة بالعدالة الواجب تحقيقها، لا من أجل الضحايا وحسب بل من أجل إرساء حكم القانون".


قال محتجون وناشطون شاركوا في احتجاجات تشرين/ أكتوبر 2019، ثم هربوا من مدنهم إلى إقليم كوردستان العراق أو إلى دول أخرى بعد تلقيهم تهديدات أو تعرضهم لمحاولات اغتيال، إنهم "لا يثقون أبداً بالسلطات جميعها ولا يعتقدون أنها ستحقق العدالة يوماً لمن قتل واغتيل من زملائهم علناُ".


وقدموا خلال حديثهم للمرصد العراقي لحقوق الإنسان، ما يعدونه شواهد على صحة كلامهم، بينها مقاطع مصوّرة وتهديدات وصلت إلى هواتف محتجين ومتظاهرين أو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي و"أهملتها" السلطات ولم تلاحق مطلقيها الذين لا يهتمون لإخفاء هوياتهم أو انتماءاتهم السياسية حتى، كما يقولون.


وسأل بعضهم قائلاً: "إذا كانت أجهزة الأمن مثلاً تفكك جرائم معقدة لا يترك مرتكبوها أية أدلة خلفهم وبطرق معقدة واحترافية ثم تقودهم إلى السجون حتى لو هربوا لمدن أخرى، فلماذا تعجز الأجهزة ذاتها عن تفكيك جرائم مثل قتل المتظاهرين واغتيال النشطاء وبعضها موثقة بالصوت والصورة".


وإضافة إلى "غياب" نتائج التحقيق في قتل المتظاهرين، لا يُعرف حتى الآن مصير ناشطين جرى تغييبهم قسراً بسبب نشاطهم الاحتجاجي.


ما زالت هناك مجموعة من النشطاء الذين اختطفوا خلال فترة الاحتجاجات، لا يُعرف ميصرها حتى الآن، مثل: سجاد العراقي، وعبد المسيح روميو، وعلي جاسب، وغيرهم، رغم مطالبات ذويهم وأصدقائهم بضرورة الكشف عن مصيرهم.


ويعتقد كثير من المحتجين والنشطاء أن نتائج التحقيق ومحاسبة قتلة زملائهم مثل بقية الملفات  "يحرم على أحد في السلطة مسها" ولا يتأملون تحقيق العدالة للضحايا ولا يثقون بأي وعود تقدم في هذه القضية، وينظرون إلى تسفير بعض الجرحى الذين أصيبوا في الاحتجاجات، إلى دول أخرى من أجل العلاج بأنه غير كافٍ ولا يعوضهم بشيء.


وفي مرات عدة، نُظمت حملات شعبية لجمع تبرعات من أجل علاج جرحى إصاباتهم بالغة وتعجز المستشفيات الحكومية في العراق عن علاجهم ويحتاجون إلى عمليات جراحية في مستشفيات دول متقدمة تكلف عشرات آلاف الدولارات.


ولم تمنع مشاعر اليأس والإحباط التي تكتنف عائلات ضحايا احتجاجات تشرين 2019، والآلاف من زملائهم، استمرار مطالباتهم بمحاسبة الجناة ومحاكمتهم علناً وينظمون بين حين وآخر تظاهرات في مدن عدة للمطالبة بذلك ثم يعودوا خائبين.


بعض تلك التظاهرات قوبلت بإطلاق نار على المشاركين فيها وأصيب بعضهم وفارق عدداً منهم الحياة متأثراً بإصابته، وفي كل مرة كانت هناك صور ومقاطع فيديو توثق الاعتداءات التي تستخدم فيها الأسلحة وقنابل الدخان بشكل واضح.


ويدعو المرصد العراقي لحقوق الإنسان السلطات الأمنية والقضائية إلى إعلان ما توصلت إليه التحقيقات السابقة للرأي العام وإن لم تكن مقنعة لعائلات الضحايا فيجب أن يصار إلى إعادة التحقيقات بشكل حازم والاستماع لإفادات شهود العيان والتثبت منها والاطلاع على الأدلة التي يمتلكونها وتوقيف المتهمين وعرضهم على المحاكم وإنزال القصاص القانوني بمن يدان منهم.


كما يشدد المرصد العراقي لحقوق الإنسان على ضرورة التقصي والبحث الجاد عن المحتجين والناشطين المغيبين قسراً والسعي للإفراج عنهم إن كانوا أحياءً وبأسرع وقت ممكن، ومشاركة المعلومات التي يتم التوصل إليها عن مصيرهم مع عائلاتهم ومحاسبة من سبّب لهم هذه المعاناة القاسية.


ويحث المرصد أيضاً، السلطات المعنية إلى الاهتمام الشديد بجرحى الاحتجاجات وتقديم كل ما يحتاجون إليه من عناية طبية ومستلزمات تساعدهم على العيش الطبيعي وصرف معاشات منتظمة لهم تكفل كرامتهم وتلبي احتياجاتهم اليومية وخاصة من أصابه العوق منهم.