المرصد العراقي لحقوق الإنسان
أمس, 13:01



يتناول هذا التقرير تراجعاً خطيراً للحريات في العراق خلال الربع الأول من 2026، إثر تحول هيئة الإعلام والاتصالات لأداة عقابية تقيد التعبير بقرارات منع تعسفية طالت صحفيين ومؤسسات دولية. هذا المسار المنهجي، المستند لمصطلحات فضفاضة، ينتهك المادة (38) من الدستور، ويهدد بـ"تصحر مدني" يقوض التعددية السياسية والاجتماعية في البلاد، ويقيد استقلال المؤسسات الإعلامية.


6 نيسان 2026

 

قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن العراق شهد خلال الربع الأول من عام 2026 مساراً مقلقاً ومتسارعاً من الإجراءات التي استهدفت جوهر النظام الديمقراطي، ولا سيما حرية الرأي والتعبير واستقلالية وسائل الإعلام. مثّلت هذه الفترة تحولاً نوعياً في آليات التعامل مع الفضاء العام، إذ لم تعد الضغوط تأتي من جهات غير رسمية فقط، بل أصبحت تُمارس وتُشرعن عبر مؤسسات الدولة الرسمية، وفي مقدمتها هيئة الإعلام والاتصالات، من خلال قرارات إدارية ولوائح تنظيمية استُخدمت كأدوات عقابية مباشرة ضد صحافيين ومحللين وصناع محتوى ومؤسسات إعلامية.


وسجل المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن هذا التحول تجسد في سلسلة من القرارات بدأت في 19 شباط، حين صدر قرار بمنع الظهور الإعلامي المفتوح بحق كل المحللين السياسيين سلام عادل وبشير الحجيمي بذريعة مخالفة قواعد البث. وفي 15 آذار، رصد المرصد قراراً مشدداً بمنع الظهور الإعلامي لعام كامل بحق الناشط السياسي غيث التميمي بسبب تعبيره عن آرائه. 


ومع نهاية الشهر، وتحديداً في 29 آذار، اتسعت رقعة الملاحقة لتشمل الفضاء الرقمي الشخصي؛ حيث تم منع المذيع التلفزيوني في قناة الشرقية حسام الطائي من الظهور لـ 90 يوماً بسبب منشورات على "فيسبوك"، ومنع المحلل السياسي نزار حيدر لـ 30 يوماً بسبب لقاء في "قناة الفلوجة" بدعوى الافتقار للدقة. فيما تلقى المدون أحمد عبد السادة إنذاراً نهائياً بسبب تدوينة على منصة  (X).


ولم تقتصر هذه الإجراءات على الأفراد، بل شملت المؤسسات الدولية؛ ففي 30 آذار، وُجهت إنذارات وإلزام بالحذف والتصحيح لكل من قناة العربية الحدث السعودية وقناة الجزيرة الإنجليزية القطرية، بذريعة نشر تقارير تخالف الموقف الرسمي. 


شهدت هذه الأشهر الثلاثة إفراطاً غير مسبوق في استخدام مصطلحات فضفاضة مثل “حماية السلم المجتمعي” و“الضوابط المهنية” و“مكافحة المحتوى الهابط” لتبرير إجراءات قد تحدّ من حرية التعبير، الأمر الذي يمثل تقويضاً مباشراً للمادة (38) من الدستور العراقي، وتراجعاً عن التزامات العراق الدولية، وتحويلاً للدور التنظيمي لهيئة الإعلام والاتصالات إلى دور رقابي عقابي يشبه نموذج وزارة الإعلام في الأنظمة الشمولية.


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن هذا المسار يعكس توجهاً واضحاً نحو التضييق المنهجي على الفضاء المدني، بما يهدد بإحداث “التصحر المدني”، من خلال تقليص مساحة النقاش العام وإخضاع الفضاء الرقمي لهيمنة السلطة، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على التعددية السياسية والاجتماعية في البلاد.



تأسست هيئة الإعلام والاتصالات بموجب الأمر التشريعي رقم (65) لسنة 2004 بهدف تشجيع الحوار المنفتح وتبادل المعلومات بحرية وتعزيز التعددية، إلا أن الممارسات الأخيرة أظهرت قلقاً واضحاً لدى المرصد العراقي لحقوق الإنسان، الذي يخشى من تحول الهيئة من جهة تنظيمية إلى أداة لتقييد النقاش السياسي والإعلامي. 


كما أن المادة (103) من الدستور العراقي نصت على استقلالية الهيئة، غير أن المؤشرات العملية تدل على تراجع هذه الاستقلالية وتأثر قراراتها بالتوازنات السياسية، الأمر الذي انعكس في ازدواجية تطبيق القواعد التنظيمية.


وسجل المرصد العراقي لحقوق الإنسان، أن الربع الأول من عام 2026 شهد صدور سلسلة من قرارات المنع من الظهور الإعلامي بحق محللين وإعلاميين، دون توفير ضمانات الإجراءات القانونية أو توضيح طبيعة المخالفات بشكل دقيق، وهو ما يمثل تدخلاً مباشراً في استقلالية المؤسسات الإعلامية وحقها في اختيار ضيوفها. كما رصد المرصد توسع الهيئة في فرض عقوبات على خلفية نشاط الأفراد في حساباتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يُعتبر انتهاكاً مزدوجاً لحرية التعبير، إذ يعاقب الأفراد مهنياً بسبب آرائهم الشخصية.


وفي الوقت الذي يبدي المرصد العراقي لحقوق الإنسان قلقه من اتخاذ إجراءات تقييدية من قبل الهيئة بحق من يمارس العمل الإعلامي، فإنه يدعوها ويساندها في تنظيم الفضاء الإعلامي في العراق وفقاً لما كفله الدستوري العراقي في مادته (38).

 

أن أخطر التحولات تمثلت في إعلان الهيئة إخضاع المحتوى الرقمي لقواعد البث الإعلامي، بما يشمل الناشطين وصناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، وإطلاق آلية رقابية تحت مسمى “سجل الالتزام المهني”، وهو ما يُعتبر أداة ضغط تدفع إلى الرقابة الذاتية وتقييد النقاش العام. هذا التوجه يتجاهل الطبيعة التقنية والقانونية المختلفة للإنترنت، ويخالف المعايير الدولية التي تميز بين البث التقليدي والفضاء الرقمي المفتوح.


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً مباشراً للمادة (38) من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير والصحافة، كما تتجاوز الصلاحيات التنظيمية المحددة لهيئة الإعلام والاتصالات، وتخالف الالتزامات الدولية للعراق، ولا سيما المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن حق تداول المعلومات دون قيود غير مبررة.


هذه الممارسات تعكس ردة ديمقراطية واضحة، واستغلالاً للأطر القانونية لتقييد حرية التعبير، وعسكرة متزايدة للفضاء الرقمي، وتراجعاً في استقلالية المؤسسات التنظيمية، فضلاً عن تنصل فعلي من الالتزامات الدولية المتعلقة بحرية الصحافة والعمل المدني.


ودعا المرصد إلى إلغاء قرارات المنع والإنذارات، ووقف الملاحقات المرتبطة بحرية التعبير، وإطلاق حوار وطني شامل لتنظيم الفضاء الرقمي بما يحمي الحقوق الأساسية. وأكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن حماية حرية التعبير تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على المسار الديمقراطي في العراق، وأن استمرار استخدام الأدوات التنظيمية لتقييد الفضاء العام سيؤدي إلى تقويض الثقة بالمؤسسات وإغلاق مساحات النقاش الحر، وهو ما يهدد مستقبل التعددية وحقوق الإنسان في البلاد.