المرصد العراقي لحقوق الإنسان
اليوم, 11:28



هذا البيان يتناول رفض المرصد العراقي لحقوق الإنسان لمشروع قانون "خدمة العلم"، معتبراً إياه خطوة لتعسير عسكرة المجتمع وانتهاكاً للحريات الدستورية. ويحذر المرصد من التبعات الاقتصادية وتكريس الطبقية عبر "البدل النقدي"، مؤكداً أن معالجة البطالة تتطلب تنمية مدنية لا عسكرية، ومطالباً بسحب القانون فوراً وتفعيل التعليم الإلزامي كبديل لضمان كرامة ومستقبل الشباب العراقي.

 


20 نيسان 2026


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن المساعي البرلمانية الرامية إلى إعادة تفعيل قانون الخدمة الإلزامية، أو ما يسمى بـ "خدمة العلم"، الخطوة خطيرة تضرب المسار المدني وتتعدى على الحريات الأساسية التي كفلها الدستور العراقي والمواثيق الدولية.

 

قال المرصد أيضاً، إن هذا التشريع، الذي يأتي في توقيت يعاني فيه العراق من أزمات اقتصادية وهيكلية حادة، لا يمثل ضرورة وطنية بقدر ما يمثل محاولة لإعادة عسكرة المجتمع وتوجيه طاقات الشباب نحو مؤسسات تعاني من البيروقراطية والفساد وغياب المساءلة.

 

ووفقاً للبنود التي أعلنتها وسائل إعلام محلية نقلاً عن أعضاء برلمان، فإنها تكشف عن رغبة سياسية في إخضاع جيل كامل لسلطة المؤسسة العسكرية تحت مبررات واهية مثل "تعزيز التلاحم الوطني" و"معالجة البطالة". ويرى المرصد أن "التلاحم الوطني" لا يُبنى عبر الإكراه البدني، بل من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون وضمان فرص العمل الكريمة، وهو ما عجزت عنه السلطات المتعاقبة.

 

يستند الحراك البرلماني الحالي إلى رغبة في استعادة نظام تم تجميده وحله منذ عام 2003 بقرار من سلطة الائتلاف المؤقتة. وعلى مدار عقدين، اعتمد العراق نظام التطوع في القوات المسلحة، إلا أن الإخفاقات البنيوية وتعدد الولاءات داخل المنظومة الأمنية دفعت بعض القوى السياسية للمطالبة بعودة التجنيد الإلزامي كحل سحري لمشاكل الانضباط والموارد البشرية.

 

تؤكد لجنة الأمن والدفاع النيابية أن القانون يهدف لرفد الجيش بدماء شابة وتعويض النقص في الموارد، مشيرة إلى أن الفئة العمرية المستهدفة ستبدأ من 18 عاماً وتصل حتى 45 عاماً في بعض الحالات، مع نقاشات جارية لتقليص السقف الأعلى إلى 35 عاماً. بيد أن هذا التوجه يتجاهل حقيقة أن الجيش العراقي الحالي يعاني بالفعل من تضخم في الأعداد مع غياب الكفاءة النوعية، فضلاً عن وجود تشكيلات مسلحة موازية لا تخضع بالكامل لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.

 

قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن إخضاع المدنيين للقوانين العسكرية بمجرد دعوتهم للخدمة، وحتى قبل الالتحاق الفعلي، يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة تتعلق بحرية التعبير والتجمع. فالقانون العسكري بطبيعته يقيد النشاط السياسي والاحتجاجي، وهو ما قد يُستخدم كأداة لتحييد الشباب الفاعلين في الحراك المدني. بالإضافة إلى ذلك، فإن "دفتر الخدمة العسكرية" سيتحول إلى وثيقة هوية ثانوية تحدد مصير المواطن في السفر، التوظيف، وحتى الزواج في بعض الحالات غير المباشرة.

 

وفي قت يعاني فيه الاقتصاد العراقي من ارتهان كلي لأسعار النفط المتقلبة وعجز هيكلي في توفير السيولة، تأتي مقترحات منح المجندين رواتب تتراوح بين 600 إلى 700 ألف دينار عراقي لتشكل عبئاً مالياً هائلاً. وتشير التقديرات إلى أن استقطاب نحو 200 ألف مجند سنوياً سيكلف الخزينة العامة مليارات الدولارات التي كان من الأولى توجيهها نحو قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية المتهالكة.

 

إن الادعاء بأن القانون سيعالج البطالة هو تضليل ممنهج؛ فالبطالة تُعالج بخلق بيئة استثمارية وتطوير القطاع الخاص، وليس بتحويل الشباب إلى أجراء مؤقتين في المؤسسة العسكرية. كما أن القانون يفرض التزامات مالية على المتخلفين تصل إلى ملايين الدنانير، مما يثقل كاهل الأسر الفقيرة ويحولها إلى فريسة للديون أو الملاحقة القضائية.

 

من أكثر المواد إثارة للجدل في مسودة القانون هي تلك التي تتيح "البدل النقدي" للإعفاء من الخدمة. إن هذا النص ينسف مبدأ "المساواة أمام القانون" الذي نص عليه الدستور العراقي، حيث سيتمكن أبناء الأثرياء والمسؤولين من شراء حريتهم، بينما يُساق أبناء الفقراء إلى الثكنات.

 

يؤكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن تحويل "الواجب الوطني" المفترض إلى سلعة تُباع وتُشترى هو إهانة لكرامة المواطن وتكريس للفجوة الطبقية. إن هذا النظام لا يمول خزينة الدولة فحسب، بل يمول منظومات الفساد التي ستنشأ حول تقدير المبالغ ومنح الإعفاءات، مما يعزز شعور الشباب بالغبن وعدم الانتماء للدولة التي تميز بينهم بناءً على قدرتهم المالية.

 

يتعارض التجنيد الإلزامي في صبغته الحالية مع المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تضمن حرية الفكر والضمير والدين. ترفض المسودة العراقية الاعتراف بـ "الاعتراض الضميري"، وهو الحق في رفض الخدمة العسكرية لأسباب أخلاقية أو دينية أو فلسفية، ولا توفر أي بدائل مدنية حقيقية لهؤلاء الأفراد.

 

إن إجبار الأفراد على استخدام القوة القاتلة أو التدرب عليها ضد قناعاتهم هو انتهاك لسلامتهم النفسية والجسدية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الدول التي لا تعترف بهذا الحق تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية. علاوة على ذلك، فإن منع العراقيين الذين لم يؤدوا الخدمة من السفر للخارج يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في حرية التنقل، وهو قيد غير متناسب يهدف إلى محاصرة الشباب داخل حدود البلاد كرهائن للمؤسسة العسكرية.

 

يرصد المرصد العراقي لحقوق الإنسان اتجاهاً متزايداً نحو عسكرة المناطق المدنية، حيث تحولت أحياء سكنية في البصرة وواسط إلى مخازن للأسلحة وفضاءات للصراع الإقليمي. إن تشريع قانون الخدمة الإلزامية سيعمق هذه الظاهرة عبر غرس العقلية العسكرية في نفوس الشباب بدلاً من قيم المواطنة المدنية والحوار.

 

يرى المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن إثارة موضوع "خدمة العلم" في هذا التوقيت يهدف إلى صرف الأنظار عن فشل البرلمان في تشريع قوانين حيوية تحمي حقوق الإنسان، مثل قانون مناهضة العنف الأسري، أو احتجاجاً على تمرير تعديلات قانون الأحوال الشخصية التي جعلت النساء "مواطنات درجة ثانية".

 

إن البرلمان الذي يفشل في حماية الطفولة من الزواج القسري، يسعى الآن لفرض التجنيد القسري على الشباب، في مفارقة تعكس هيمنة العقلية السلطوية والذكورية على العمل التشريعي. كما أن القانون قد يُستخدم كأداة لضرب تشكيلات مسلحة معينة أو تقويتها بناءً على صفقات سياسية، مما يجعل "السيادة الوطنية" مجرد شعار لتمرير مصالح حزبية ضيقة.

 

كما أن مساعي تشريع قانون الخدمة الإلزامية تمثل انتكاسة للديمقراطية الناشئة في العراق وتهديداً مباشراً للعقد الاجتماعي بين المواطن والدولة. إن الدولة التي تعجز عن توفير مياه شرب نظيفة أو كهرباء مستقرة أو تعليم حديث، لا تملك الحق الأخلاقي في إجبار مواطنيها على التضحية بسنوات من عمرهم في خدمة مؤسسة عسكرية متهالكة.


 

وبناءً على ذلك، يطالب المرصد العراقي لحقوق الإنسان بالآتي:

  • سحب مسودة القانون فوراً: يجب على الحكومة والبرلمان التوقف عن السير في إجراءات تشريع هذا القانون، والاعتراف بفشله كحل لمشاكل الشباب والأمن.

  • إصلاح المنظومة الأمنية الحالية: بدلاً من إضافة أعداد جديدة، يجب التركيز على إصلاح المؤسستين الأمنية والعسكرية وضمان مهنية القوات الحالية وإخضاعها للمحاسبة القانونية وحقوق الإنسان.

  • الاستثمار في جودة التعليم: تفعيل قانون التعليم الإلزامي بدلاً من التجنيد الإلزامي، لانتشال ملايين الأطفال والشباب من دوامة الأمية والجهل.

  • تحييد المدن عن العسكرة: إخراج مستودعات الأسلحة والمقرات العسكرية من الأحياء السكنية وضمان سلامة المدنيين من تداعيات الصراعات العسكرية.

  • فتح حوار وطني شامل: لا يمكن تقرير مصير جيل كامل عبر صفقات الغرف المظلمة في البرلمان؛ يجب إشراك منظمات المجتمع المدني والنقابات والشباب أنفسهم في رسم الرؤية الدفاعية للبلاد.

 

إن المرصد العراقي لحقوق الإنسان سيواصل مراقبة هذا الملف والضغط لمنع تحويل العراق إلى "دولة ثكنات". كرامة المواطن وحريته هي الضمانة الوحيدة لاستقرار البلاد وازدهارها. إن التاريخ أثبت أن الجيوش المبنية على الإكراه تنهار عند أول اختبار حقيقي، بينما تصمد الدول التي تحترم إرادة شعوبها وتستثمر في عقولهم لا في بنادقهم.