يتناول هذا البيان قرار هيئة الإعلام الذي عاقب مقدم البرامج أحمد الطيب على كلام لم يقله بل قاله أحد ضيوفه. يؤكد البيان أن العقوبة المتمثلة بإيقاف البرنامج ومنع ظهور المقدم تنتهك المعايير الدولية لحماية الصحفيين. ويدعو البيان إلى إلغاء قرار الحظر وإنهاء إيقاف البرنامج وإقرار قواعد واضحة تحصر مسؤولية الكلام بمن قاله فعلاً وليس بمقدم البرامج.
21 آب 2026
يدعو المرصد العراقي لحقوق الإنسان هيئة الإعلام والاتصالات إلى مراجعة قرارها بالعدد (7/ع/9967) الصادر في 17 آب 2026، الذي عاقب مقدّم برنامج "الثامنة" أحمد الطيب على كلام لم يصدر عنه، فأوقف بثّ البرنامج خمسة عشر يوماً، ومنع مقدّمه من الظهور للمدة نفسها، وألزم قناة الرشيد بتقديم اعتذار رسمي خلال خمسة أيام.
وأول ما يلفت النظر في هذا القرار أنه لا ينسب إلى مقدّم البرنامج أي عبارة. فنصّ الكتاب يقرّ صراحة بأن العبارات موضوع المخالفة صدرت عن ضيف الحلقة المبثوثة في 12 آب 2026، وأن ما نُسب إلى الإعلامي أحمد الطيب هو أنه "لم يبادر إلى قطع حديث الضيف أو منعه من الاسترسال". أي أن العقوبة لم تقع على قول، بل على امتناع مفترض عن فعل. والمادة الوحيدة التي استند إليها القرار هي (الباب الثاني/المادة 1: منع التحريض على العنف والكراهية)، وهي مادة تتعلق بمضمون القول وبمن يصدر عنه، ولا يشير القرار إلى أي نصّ يرتّب على مقدّم البرنامج واجباً بقطع حديث ضيفه، ولا إلى ما يجعله مسؤولاً عن الإخلال بواجب من هذا النوع.
ثم إن المعيار الذي حوسب على أساسه يستحيل الوفاء به عملياً. فتقييم أداء المقدّم يجري بعد أيام، عبر مراجعة تسجيل يمكن إيقافه وإعادته وسماعه مرات، بينما كان مطلوباً منه أن يتخذ قراره في ثوانٍ وعلى الهواء، وهو يسمع الجملة لأول مرة ولا يعرف إلى أين تنتهي. ولا يتضمن القرار أي إشارة إلى المدة التي استغرقها الكلام، ولا إلى ما إذا كان المقدّم قد اعترض أو استدرك أو انتقل بالحوار إلى مسار آخر. ومن دون هذه العناصر يتحول التقدير إلى حكم على النيّة، لا تقييماً للأداء المهني.
والأصل، في القانون كما في المهنة، أن مسؤولية القول تلحق قائله. وهي قاعدة مستقرة دولياً، أرساها حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية ييرسيلد ضد الدنمارك عام 1994، الذي قضى بأن معاقبة صحفي على المساعدة في نشر تصريحات أدلى بها شخص آخر في مقابلة تُعيق على نحو خطير إسهام الصحافة في مناقشة الشؤون العامة، وعدّ ذلك خرقاً لحرية التعبير.
أما إيقاف البثّ فعقوبة تتجاوز من نُسبت إليه المخالفة أصلاً. إذ يطال حجب البرنامج خمسة عشر يوماً طاقم إعداد وتحرير وإخراج لا صلة له بالواقعة، ويحرم جمهوراً من مصدر معلومات بقرار إداري، من دون أن يضيف شيئاً إلى معالجة المخالفة بعد مساءلة صاحبها. وتشترط المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المصادَق عليه عراقياً، أن يكون أي تقييد لحرية التعبير ضرورياً ومتناسباً، فيما تكفل المادة 38 من الدستور العراقي حرية التعبير والصحافة بما لا يُخلّ بجوهر الحق.
ويضاف إلى ذلك ملاحظتان على السند الشكلي للقرار. فقد صدر عن رئيس الجهاز التنفيذي، في حين أعلنت الهيئة نفسها في بيان سابق أن أي إجراء تنظيمي يستوجب قانوناً المرور بالمسار المحدد وفق الصلاحيات المقرّة بموجب الأمر التشريعي رقم (65) لسنة 2004، وأن القرارات المتعلقة بالمحتوى تصدر عن مجلس المفوضين.
ويطلب المرصد من الهيئة توضيح السند الذي يخوّل الجهاز التنفيذي فرض عقوبات فردية على إعلاميين ووسائل إعلام. كما أن إلزام القناة بتقديم اعتذار رسمي تحت طائلة إجراءات إضافية هو إلزام بالتعبير عن موقف بعينه، ولا يندرج ضمن ما يمكن وصفه بإجراء تنظيمي مهني.
وعلى هذا الأساس، يدعو المرصد العراقي لحقوق الإنسان إلى إلغاء قرار منع ظهور الإعلامي أحمد الطيب، ورفع الإيقاف عن بثّ برنامج "الثامنة"، وسحب شرط الاعتذار الإلزامي. ويدعو كذلك إلى إقرار قاعدة مكتوبة واضحة تحدد مسؤولية مقدّم البرنامج في البثّ المباشر وتحصر المساءلة عن مضمون أي قول بقائله، وبتسبيب قرارات الإيقاف بمعايير قابلة للقياس تُنشر مسبقاً بدل التقدير اللاحق المفتوح على التأويل، وبإخضاع قرارات الهيئة لرقابة قضائية فعلية بدل حصر الطعن بلجنة داخلية تابعة للهيئة ذاتها. ويجدد المرصد دعوته مجلس النواب إلى مراجعة الأمر (65) لسنة 2004 وتشريع قانون يحدد صلاحيات الهيئة بدقة، في مرحلة سياسية يتضاعف فيها حق العراقيين في الوصول إلى المعلومة.