المرصد العراقي لحقوق الإنسان
اليوم, 13:24


 

31 كانون الثاني 2026

 

يتابع المرصد العراقي لحقوق الإنسان (IOHR) بقلقٍ بالغ، بدء تنفيذ السلطات العراقية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، سلسلة من عمليات النقل الجماعي لآلاف المحتجزين المشتبه بانتمائهم لتنظيم "داعش" من مراكز الاحتجاز والمخيمات في شمال شرق سوريا إلى الداخل العراقي. وتأتي هذه التحركات ضمن خطة تهدف لنقل قرابة 7,000 محتجز (بينهم 5,000 أجنبي و2,000 عراقي) إلى مرافق احتجاز في محافظات الناصرية ونينوى وبابل.

 

قال رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون إن "نجاح عملية نقل المحتجزين القادمين من سوريا يتوقف بشكل أساسي على قدرة المنظومة السجنية على استيعابهم وفق آليات عزل وتصنيف حديثة. نحن نرى ضرورة ملحة في تبني استراتيجية (الفصل الجغرافي والفني) التام، لضمان عدم تأثير هذه الأعداد على التوازنات داخل السجون المكتظة أصلاً".


قال أيضاً إن "الهدف يجب أن يتركز على تحويل هذه التحديات إلى فرصة لتطوير برامج الإصلاح والتأهيل، بما يضمن سيادة القانون وحماية السلم المجتمعي من أي تداعيات فكرية قد تنتج عن الاختلاط غير المدروس".


خطوة الحكومة العراقية وإن كانت تندرج ضمن ممارسة الدولة لسيادتها، إلا أنها تمثل "استيراداً لأزمة أمنية وفكرية" إلى بيئة سجنية عراقية تعاني أصلاً من "انهيار وظيفي" ناتج عن الاكتظاظ المفرط الذي يتجاوز الطاقة الاستيعابية بنسب تزيد عن 300%.


إن زج آلاف العناصر المتمرسة عقائدياً وقتالياً في زنازين مكتظة، يفتقر فيها النزلاء لأبسط مقومات المساحة والرعاية الصحية، يحول هذه السجون من مؤسسات عقابية إلى "مفرخات للتطرف" وأكاديميات مغلقة لإعادة إنتاج التنظيمات الإرهابية.



اضغط هنا لقراءة دراسة المرصد العراقي لحقوق الإنسان بشأن التعذيب في السجون العراقية


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن السجون المستهدفة بالنقل تعيش حالة من "الموت السريري" للبنى التحتية؛ حيث يضطر النزلاء للنوم بالتناوب (نظام الشفتات) في ممرات ضيقة تفتقر للتهوية والشمس. هذا التكدس البشري أدى إلى تحول السجون إلى بؤر وبائية للأمراض الانتقالية (كالجرب والتدرن)، مما يجعل من إضافة أي أعداد جديدة "حكماً بالإعدام البطيء" على النزلاء والعاملين على حد سواء.


أشارت تقارير سابقة أعدها المرصد أو منظمات دولية، إلى وجود آلاف الموقوفين في السجون العراقية قيد التحقيق لسنوات، أو بتهم كيدية ناتجة عن وشايات "المخبر السري" أو تشابه الأسماء.د

قال عضو مجلس أمناء المرصد العراقي لحقوق الإنسان المختصة بالقانون الدولي، الدكتورة هالة الشمري إن "على الصعيد القانوني الدولي، يمثل استمرار المجتمع الدولي في التنصل من استعادة رعاياه الأجانب الـ (5000) وإلقاء عبئهم على منظومة سجنية عراقية متهالكة، انتهاكاً لمبدأ تقاسم المسؤولية الدولية".


قالت أيضاً إن "إيداع هؤلاء في مرافق احتجاز عراقية تعاني اكتظاظاً بنسبة 300% يفرغ (قواعد نيلسون مانديلا) من محتواها ويجعل من ظروف الاحتجاز عقوبة غير قانونية ومهينة للكرامة البشرية. نطالب برؤية قانونية وطنية تفصل بين الجناة الحقيقيين وبين الضحايا والموقوفين بوشايات كاذبة، لضمان عدم تحول السجن إلى وسيلة لتجنيد الأبرياء في صفوف التنظيمات الإرهابية".


ويحذر المرصد من أن دمج مقاتلين عقائديين "صلبين" قادمين من سوريا مع "الأبرياء" أو الموقوفين بقضايا جنائية بسيطة، سيؤدي حتماً إلى عمليات "تلقيح فكري" وتجنيد قسري. كما أن غياب استراتيجيات الفرز والعزل الدقيقة يمهد الطريق لتكرار تجربة "سجن بوكا" التاريخية، ولكن هذه المرة داخل مراكز المدن العراقية، حيث يتحول البريء إلى متطرف نتيجة القهر والاختلاط القسري بالقيادات الإرهابية.


وانطلاقاً من دور المرصد كشريك في بناء منظومة المساءلة الوطنية، يقترح المرصد المسارات التالية:

  1. تفعيل بدائل التوقيف: الإفراج الفوري عن الموقوفين بقضايا بسيطة أو من انتهت محكومياتهم لتفريغ مساحات عزل فورية.

  2. استحداث مراكز عزل خاصة: إنشاء مراكز احتجاز مؤقتة وعالية التأمين ومنعزلة تماماً للقادمين من سوريا، تخضع لإشراف قضائي مباشر وفصل تام للفئات الخطرة.

  3. التدويل القانوني للمسؤولية: حث الدول الأجنبية على استعادة رعاياها الـ (5,000) فوراً، أو المساهمة في تمويل بناء مرافق احتجاز دولية داخل العراق تخضع للمعايير الإنسانية العالمية.

  4. اللجان القضائية الجوالة: تشكيل لجان استثنائية لحسم ملفات الموقوفين المتراكمة لضمان عدم بقاء بريء واحد في زنزانة قد تضم عنصراً متطرفاً

 إن المرصد العراقي لحقوق الإنسان يحذر من أن تجاهل هذه التحذيرات سيحول السجون إلى "قنابل موقوتة" تهدد السلم المجتمعي وتضرب جوهر سيادة القانون.