يتناول هذا البيان انتهاك الحريات الثقافية في ذي قار، حيث وثق المرصد العراقي لحقوق الإنسان اعتقال الناشط أيمن عمار تعسفياً وإلغاء مهرجان "الناصرية تقرأ" ومصادرة موافقاته الرسمية بذريعة "مخاوف أمنية" من محتوى الكتب. يعد المرصد هذا التغول الأمني ارتداداً عن الدستور، ويطالب بإطلاق سراح المعتقلين فوراً وكف يد الأجهزة الأمنية عن قمع المبادرات المدنية والمعرفية.
15 شباط 2026
اعتقلت السلطات الأمنية في محافظة ذي قار جنوبي العراق الناشط أيمن عمار، مدير فعاليات مهرجان "الناصرية تقرأ"، يوم الخميس 12 شباط 2026، وذلك أثناء توجهه لتقديم الموافقات الرسمية والأوراق الأصولية للجهات المختصة في سيطرة مدخل المدينة الخاصة بالمهرجان الذي كان من المقرر أن يُقام يوم الجمعة الماضي 13 شباط 2026. وجاءت عملية الاعتقال على خلفية ضبط مجموعة كتب تضم محتوىً اعتبرته الأجهزة الأمنية "ترويجاً" لأفكار محظورة، ليتم نقله لاحقاً من مركز الشرطة إلى مديرية الاستخبارات مع مخاوف من تحويل ملفه إلى مكافحة الإرهاب.
وعلى خلفية واقعة الاعتقال التعسفي لمدير المهرجان، أبلغت السلطات الأمنية في ذي قار اللجنة التحضيرية بإلغاء مهرجان "الناصرية تقرأ" بشكل نهائي ومصادرة كافة الموافقات الأصولية التي استُحصلت مسبقاً. وجاء قرار الإلغاء ليلة انطلاق المهرجان بذريعة "المخاوف الأمنية" والاشتباه بمحتوى الكتب، مما تسبب في إجهاض جهد تطوعي استمر لأربعة أشهر وحرمان المدينة من تظاهرة ثقافية كانت تهدف لتوزيع 5000 كتاب مجاناً.
قال حسين الغزي رئيس اللجنة التحضيرية لمهرجان الناصرية تقرأ خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن إدارة المهرجان عملت بجهد متواصل لمدة أربعة أشهر لجمع 5000 كتاب بهدف توزيعها مجاناً، مع تنظيم فعاليات مرافقة تشمل المسرح، والبازارات الخيرية، والموسيقى، والرسم الحر. وأكد الغزي أن اللجنة استحصلت كافة الموافقات الأصولية والقانونية من جهاز الأمن الوطني، وقيادة الشرطة، ومديرية الشباب والرياضة، والبلدية، ومجلس محافظة ذي قار.
قال أيضاً، في يوم الخميس 12 شباط، وصلت شحنة محملة بالكتب تبرع بها أفراد في العاصمة بغداد، وعند سيطرة مدخل الناصرية، تم تفتيش الصناديق وعُثر على كُتيب قديم لنقابة الصيادلة ومجلة طبية تحتوي على صور للنظام السابق (في إشارة إلى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين -1979 2003). وعلى إثر ذلك، قامت الأجهزة الأمنية باعتقال السائق بتهمة الترويج لأفكار محظورة.
وحين توجه زميله (أيمن عمار)، مدير فعاليات المهرجان، لتوضيح الموقف وتقديم الأوراق الرسمية والموافقات، تم اعتقاله هو الآخر. قال الغزي أيضاً، إن المعتقلين نُقلوا من مركز الشرطة إلى الاستخبارات، وسط أنباء عن تحويل ملفهما إلى مكافحة الإرهاب، رغم أن المهرجان يمتلك لجان فرز متخصصة لعزل أي محتوى مخالف قبل العرض. وفي تصعيد إضافي، أبلغت قيادة الشرطة اللجنة بإلغاء المهرجان نهائياً ومصادرة كافة الموافقات السابقة.
تمتلك مدينة الناصرية في محافظة ذي قار إرثاً ثقافياً ممتداً بوصفها مهداً لأوائل الحروف المكتوبة في سومر، ومركزاً تاريخياً للقراءة والمعرفة. ويأتي مهرجان "الناصرية تقرأ" كإحدى الفعاليات المدنية الرامية لتعزيز السلم المجتمعي عبر توزيع الكتب وإقامة أنشطة فنية وبازارات خيرية، نتاج جهد تطوعي استمر أربعة أشهر. إلا أن هذا الفضاء الثقافي يواجه حالياً تحديات أمنية تمثلت في منع إقامة المهرجان وإلغاء الموافقات الرسمية، ما يهدد بتقويض النشاط المعرفي وتضييق الخناق على الحريات العامة في المدينة.
قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن ما تعرض له مهرجان "الناصرية تقرأ" يمثل انتكاسة خطيرة لحرية التعبير في العراق وارتداداً صريحاً عن المبادئ الديمقراطية التي كفلها الدستور في المادة 38، محذراً من أن تحويل الفضاء الثقافي إلى ثكنة تخضع للأهواء الأمنية هو مؤشر على رغبة السلطات في فرض الوصاية على العقل الجمعي وتقييد المبادرات المدنية تحت ذرائع واهية.
قال المرصد أيضاً، إن منع القراءة في مدينة "أور" التاريخية واعتقال القائمين على نشر المعرفة يمثل مفارقة مؤلمة تعكس حجم الهوة بين الخطاب الرسمي الذي يدعي حماية الحقوق وبين الممارسة القمعية على أرض الواقع.
يشير ما حدث إلى نمط من "التغول الأمني" الذي يتجاوز حدود الحفاظ على النظام إلى قمع الحريات؛ فاعتقال الناشط أيمن عمار وسائق سيارة النقل بسبب وجود كُتيب قديم أو مجلة طبية لا تقع ضمن اختصاص الجرائم الإرهابية، بل هي محاولة لترهيب الكوادر المدنية. كما أن تحويل ملف معتقلين "ثقافيين" إلى الاستخبارات ومكافحة الإرهاب هو تصعيد غير مبرر يهدف إلى "شيطنة" العمل التطوعي ووصمه بجرائم سياسية أو أمنية خطيرة لضمان صمت المجتمع المدني.
وصف إبراهيم السيد عضو اللجنة المنظمة للمهرجان خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن ما حدث بـ "مآسي الدهر". جميع التحضيرات اللوجستية كانت قد اكتملت بعد الحصول على الضوء الأخضر والموافقات الأمنية من كافة الجهات المعنية في المحافظة.
قال أيضاً، اللجنة فوجئت في ليلة المهرجان باتصال من قيادة شرطة ذي قار يبلغنا بإلغاء الفعالية دون ذكر أي سبب قانوني واضح، رغم محاولات التواصل المتكررة والوساطات التي جوبهت بالرفض القاطع. كما وصلت تهديدات أمنية إلى حد الوعيد باعتقال أي شخص يحاول إقامة نشاط ثقافي على "كورنيش الناصرية". واختتم شهادته بحزن قائلاً إن المدينة التي أهدت الكتابة للعالم باتت اليوم تُمنع من القراءة والاحتفاء بالثقافة بفعل قرارات تعسفية لا تحترم الحقوق الدستورية.
قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن مصادرة الكتب ومنع الناس من القراءة في "أور" التاريخية ليس تقييداً للكُتب، بل هو إهانة لوعي المجتمع ومحاولة بائسة لفرض الوصاية على العقل. لذا، نجدد التأكد على أن الحرية لا تُجزأ، وأن الدولة التي ترتعد فرائصها من "كتاب" هي دولة تعيش أزمة ثقة مع مواطنيها. وعلى إثر ذلك نطالب بإطلاق سراح المعتقلين فوراً، خاصة وأن لا شيء يُخالف القانون ثبت عليهما.