المرصد العراقي لحقوق الإنسان
اليوم, 10:28

هذا موقف المرصد العراقي لحقوق الإنسان بشأن الحريات الصحافية في العراق، الذي يشير إلى تراجع حاد منذ عام 2003، مع تحول القمع ضد الصحافيين إلى سياسة ممنهجة عبر القوانين والملاحقات والقرارات الإدارية. ويحذر من تصاعد الرقابة الرقمية واتساع الإفلات من العقاب، مؤكداً أن هذا المسار يهدد حرية التعبير والتعددية وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن العراق يشهد واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها حرية الصحافة والتعبير منذ عام 2003، ويحذر من انتقال البلاد من مرحلة “العنف العشوائي” ضد الصحافيين إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل بـ”مأسسة القمع” عبر القوانين والقرارات الإدارية والملاحقات القضائية المنظمة.


ووفقاً لدراسة أعدها المرصد العراقي لحقوق الإنسان بشأن الحريات الصحافية في العراق، والمقرر صدورها في التاسع من الشهر الحالي، فإن واقع الحريات في العراق بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 شهد تراجعاً حاداً وغير مسبوق، وسط تصاعد حملات الترهيب والتضييق ضد الصحافيين والنشطاء والمدونين، بالتزامن مع أجواء الاستقطاب السياسي والطائفي.


وأكد المرصد أن العراق لم يعد يواجه أزمة حرية صحافة تقليدية، بل بات يعيش حالة “إغلاق منظم للمجال العام”، تشترك فيها مؤسسات الدولة والأحزاب النافذة والجماعات المسلحة، عبر أدوات قانونية وأمنية وإعلامية تهدف إلى إسكات الأصوات الناقدة ودفع الصحافيين إلى الرقابة الذاتية أو الصمت الكامل.


وأشار المرصد إلى أن هذا التراجع انعكس بوضوح على التصنيفات الدولية، حيث تراجع العراق إلى المرتبة 162 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، بعد أن كان في المرتبة 155 خلال العام السابق، ما يعني خسارة سبعة مراكز كاملة خلال عام واحد فقط.


وأضاف المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن هذا التراجع لم يكن مجرد رقم إحصائي، بل انعكاساً مباشراً لواقع خطير يعيشه الصحافيون في العراق، في ظل بيئة توصف بأنها “معادية للصحافة”، حيث أصبحت الكلمة والرأي والتحقيق الصحافي أسباباً كافية للملاحقة أو الاعتقال أو التحريض أو المنع من الظهور الإعلامي.


ووفقاً للبيانات التي جمعها المرصد، فقد شهد العراق عشرات الانتهاكات خلال عامي 2025 ومطلع عام 2026، شملت الاختطاف والاعتداء الجسدي والمنع من التغطية وتحطيم المعدات والملاحقات القضائية، في مؤشر يعكس اتساع دائرة الاستهداف وتصاعد القيود المفروضة على العمل الإعلامي.


وبيّن المرصد أن السلطات العراقية ما تزال تستخدم قوانين موروثة من حقبة النظام السابق لمعاقبة الصحافيين وأصحاب الرأي، وفي مقدمتها مواد “إهانة السلطات” والتشهير والقذف، رغم تعارضها الصريح مع المادة 38 من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير والصحافة والتظاهر السلمي.


وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تصاعداً خطيراً في استخدام الدعاوى القضائية كوسيلة لترهيب الإعلاميين، حيث امتلأت المحاكم بقضايا ضد صحافيين وكتاب ومقدمي برامج بسبب انتقادات سياسية أو تقارير صحافية أو حتى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.


ومن بين هذه القضايا، تلك التي طالت مقدم البرامج قصي شفيق، ورئيس تحرير جريدة الدستور باسم الشيخ، والصحافي حسام الكعبي، إضافة إلى أوامر قبض وملاحقات استهدفت صحافيين بسبب نشر وثائق أو تناول ملفات فساد أو انتقاد مسؤولين حكوميين.


وأكد المرصد أن استمرار تعطيل تشريع “قانون حق الحصول على المعلومة” لا يشير إلى وجود إرادة حقيقية داخل مجلس النواب للدفاع عن الحريات، مشيراً إلى أن غياب هذا القانون ساهم في تكريس التعتيم وحجب المعلومات الرسمية، وترك الصحافيين في مواجهة مفتوحة مع السلطات من دون أي حماية قانونية حقيقية.


وأضاف أن هيئة الإعلام والاتصالات تتحمل مسؤولية كبيرة عن تدهور واقع الحريات الإعلامية، بعدما تحولت من جهة تنظيمية إلى “أداة عقابية” تستخدم قرارات الحظر والمنع والإيقاف لتكميم الأفواه وفرض خطاب إعلامي أحادي يخدم القوى السياسية النافذة.

 

ولفت إلى أن الهيئة أصدرت خلال الأشهر الأولى من عام 2026 سلسلة قرارات بمنع إعلاميين وباحثين ومحللين سياسيين من الظهور الإعلامي، فضلاً عن إيقاف برامج تلفزيونية وإنذار قنوات فضائية، استناداً إلى عبارات فضفاضة مثل “حماية السلم المجتمعي” و”المحتوى الهابط” و”الإساءة للمؤسسات".


وقال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن أخطر ما شهدته المرحلة الأخيرة هو انتقال القمع من الفضاء الإعلامي التقليدي إلى الفضاء الرقمي، حيث بدأت السلطات بمراقبة المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تصاعد حملات التحريض والتخوين ضد الصحافيين والنشطاء واتهامهم بـ”العمالة” أو “الإساءة للقيم” أو “دعم جهات معادية".


وأكد المرصد أن كثيراً من الصحافيين باتوا يلجؤون إلى حذف منشوراتهم أو الامتناع عن تناول ملفات حساسة خشية الملاحقة أو الاستهداف، ما يعكس تصاعد ظاهرة “الرقابة الذاتية” داخل الوسط الإعلامي.


وأوضح أن الانتهاكات لم تتوقف عند حدود التهديد بالدعاوى القضائية والقرارات الإدارية، بل استمرت الاعتداءات الأمنية والميدانية ضد الصحافيين، ومن بينها اختطاف الصحافية الأميركية المستقلة شيلي كيتلسون في بغداد، إضافة إلى اعتداءات متكررة ضد طواقم قنوات فضائية في البصرة وكربلاء ومحافظات أخرى أثناء تغطية الاحتجاجات والأزمات الخدمية.


وفي إقليم كردستان، وصف فإن واقع الصحافة “شديد الحساسية” مع استمرار هيمنة الأحزاب والأجهزة الأمنية على المجال الإعلامي، وتزايد أوامر القبض والاعتقالات بحق الصحافيين، فضلاً عن إغلاق مؤسسات إعلامية ومداهمة مقار قنوات فضائية من دون أوامر قضائية.


وأكد أن الصحافيات العراقيات يواجهن تحديات مضاعفة، تشمل حملات التشهير والاستهداف الأخلاقي والاجتماعي، إلى جانب المضايقات المهنية والتحرش والتهديد، وسط غياب سياسات حقيقية لحمايتهن.


وأشار المرصد العراقي لحقوق الإنسان إلى أن الإفلات من العقاب ما يزال السمة الأبرز للمشهد العراقي، حيث لم تُحسم غالبية ملفات قتل واختطاف الصحافيين والنشطاء، فيما تستمر السلطات في تجاهل المطالبات بكشف نتائج التحقيقات ومحاسبة المتورطين.


وحذر المرصد من أن استمرار التضييق على الصحافيين ووسائل الإعلام المستقلة يهدد نزاهة البيئة الانتخابية المقبلة، ويقوض حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والتعددية الإعلامية، ما ينعكس بشكل مباشر على المشاركة السياسية والرقابة المجتمعية.


وأضاف أن العراق يتجه نحو خلق “إعلام أحادي القطب” يخدم السلطة السياسية، مع استمرار تآكل مساحة حرية التعبير، وتصاعد الرقابة الرقمية، واتساع ظاهرة هجرة الصحافيين أو لجوئهم إلى الصمت خوفاً من الملاحقة أو الاستهداف.


ودعا المرصد العراقي لحقوق الإنسان السلطات العراقية إلى وقف استخدام القوانين المقيدة للحريات ضد الصحافيين، وإلغاء المواد القمعية في قانون العقوبات، وتشريع قانون حق الحصول على المعلومة، وضمان استقلال هيئة الإعلام والاتصالات بعيداً عن هيمنة الأحزاب السياسية.


كما دعا المرصد إلى مراقبة التدهور الخطير في واقع الحريات بالعراق، وحذر من أن استمرار هذا المسار لا يهدد الصحافة وحدها، بل يهدد حق العراقيين في المعرفة، ويدفع البلاد تدريجياً نحو فضاء عام يُدار بالخوف بدلاً من الحرية، وبالصمت بدلاً من المساءلة، بينما يتحول الصحافي إلى هدف لكل من يمتلك سلطة القانون أو سلطة السلاح.