المرصد العراقي لحقوق الإنسان - الاتجار بالبشر
19-07-2026, 09:07


هذا البيان ملخص لدراسة موسّعة بعنوان «هندسة الاستغلال وفجوة العدالة» سيصدرها المرصد العراقي لحقوق الإنسان لاحقاً. وجميع الإحصاءات الواردة فيه تخص عام 2025 حصراً.


19 تموز 2026


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن إجمالي عدد الموقوفين في قضايا الاتجار بالبشر في العراق خلال عام 2025 بلغ (5107) أشخاص، في حين لم يتجاوز عدد الضحايا الذين جرى التعرف عليهم وتوثيقهم رسمياً في العام ذاته (385) ضحية فقط، أي بنسبة لا تتعدى 7.5 في المائة من عدد الموقوفين، بواقع ضحية واحدة موثقة مقابل كل ثلاثة عشر موقوفاً تقريباً.


وأوضح المرصد أن هذه الأرقام تمثل ملخصاً لدراسة موسّعة سيصدرها لاحقاً بعنوان «هندسة الاستغلال وفجوة العدالة»، تتناول بالتحليل المؤشرات الإحصائية الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية والقضائية في وزارة الداخلية عن عام 2025، وتربطها بالإطار القانوني الوطني والالتزامات الدولية للعراق، وبشهادات ميدانية مباشرة لضحايا.


وبيّن المرصد أن جرائم الاتجار بالبشر في العراق لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدتها البلاد منذ عام 2003، وما رافقها من ضعف في مؤسسات الدولة، وتصاعد النزاعات المسلحة، واتساع رقعة النزوح الداخلي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، فضلاً عن تنامي نشاط شبكات الجريمة المنظمة المحلية والعابرة للحدود. وقد خلقت هذه العوامل مجتمعة بيئة مواتية لاستغلال الإنسان بوصفه مورداً اقتصادياً.


وأضاف أن الاتجار بالبشر في العراق لم يعد يُمارس بوصفه جريمة فردية معزولة، بل تحوّل إلى نشاط منظم تديره شبكات تمتلك القدرة على الاستقطاب والنقل والإخفاء والاستغلال وغسل العائدات، مستفيدة من الثغرات التشريعية والإجرائية وضعف الرقابة والفساد الإداري وصعوبة وصول الضحايا إلى العدالة.


وأشار المرصد إلى أن هذه الشبكات تعتمد دورة إجرامية متكاملة تبدأ بالاستدراج عبر إعلانات عمل وهمية أو وعود بالسفر أو الزواج، ثم النقل والإيواء، ثم إحكام السيطرة عبر مصادرة الوثائق الشخصية وفرض ديون مصطنعة والعزل عن الأسرة والمجتمع والتهديد بالعنف، وصولاً إلى الاستغلال الفعلي وتحقيق العائد المالي.


وأكد أن الفئات الأشد ضعفاً تبقى الأكثر عرضة لهذه الشبكات، وفي مقدمتها النساء والأطفال والنازحون واللاجئون والعمال الأجانب والأشخاص ذوو الإعاقة، لافتاً إلى أن هذه الجرائم تشكل انتهاكاً مباشراً للحق في الحياة والحرية والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، ولحظر الرق والعمل القسري.


أبرز مؤشرات عام 2025

وأوضح المرصد أن مؤشرات عام 2025 تكشف التوزع الآتي بحسب أنماط الاستغلال:


  • الاستغلال الجنسي: تفكيك (127) شبكة، وتوقيف (1385) متهماً، وصدور (505) أحكام بالإدانة، في مقابل (89) ضحية مسجلة فقط.

  • التسول المنظم: تفكيك (16) شبكة، وتوقيف (2107) متهمين، وصدور (39) حكماً، في مقابل (25) ضحية فقط — أي بواقع موقوف واحد وثمانين لكل ضحية موثقة، وهو أشد الأنماط تفاوتاً.

  • تهريب المهاجرين واستغلال العمالة الأجنبية: تفكيك (63) شبكة، وتوقيف (740) متهماً، وتسجيل (233) ضحية، مع صدور (16) حكماً بالإدانة فقط.

  • الاتجار بالأعضاء البشرية: تفكيك (18) شبكة، وتوقيف (248) متهماً، وإدانة (48) شخصاً، في مقابل (12) ضحية مسجلة.

  • بيع الأطفال: تفكيك (19) شبكة، وتوقيف (75) متهماً، وصدور (39) حكماً، وتوثيق (26) طفلاً بوصفهم ضحايا.


وعلى صعيد حركة القضايا، أفاد المرصد بأن السلطات تعاملت خلال العام مع (2696) ورقة تحقيقية أنجزت منها (1888) ورقة، فيما بقيت (808) أوراق قيد الإجراء. وصدرت (815) مذكرة قبض نُفذ منها (526) مذكرة، بينما بقيت (289) مذكرة دون تنفيذ، فيما صدرت أحكام بالإدانة بحق (711) محكوماً فقط، أي ما يعادل نحو 14 في المائة من إجمالي الموقوفين.


وشدد المرصد على أن الفارق الكبير بين أعداد الموقوفين وأعداد الضحايا لا يمكن تفسيره باختلاف طبيعة الجرائم وحدها، وإنما يشير إلى خلل بنيوي في إجراءات الفرز والتصنيف الأولي داخل مراكز الشرطة والدوائر التحقيقية، قد يؤدي إلى معاملة أشخاص تعرضوا للاستغلال بوصفهم مرتكبي جرائم.


وأوضح أن النساء المستغلات في شبكات الاستغلال الجنسي قد يُعاملن في بعض الحالات بوصفهن مرتكبات لجرائم الدعارة، والأطفال المجبرين على التسول بوصفهم مخالفين للقانون، والعمال الأجانب المستغلين بوصفهم مخالفين لقوانين الإقامة والعمل، من دون إجراء تقييم متخصص يكشف حقيقة ظروف الاستغلال التي تعرضوا لها.


وأكد المرصد أن ذلك يتعارض مع بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص (بروتوكول باليرمو) الذي صادق عليه العراق عام 2009، والذي يشدد على ضرورة التمييز بين الجاني والضحية، وعدم معاقبة الضحايا على أفعال ارتُكبت نتيجة وقوعهم تحت الإكراه أو الخداع، كما يتعارض مع روح قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم (28) لسنة 2012.


وحذّر من أن استمرار هذا الخلل يقود إلى نتائج عكسية، إذ يعزز خوف الضحايا من التواصل مع السلطات، ويقلل استعدادهم للإدلاء بشهاداتهم، ويجعلهم أكثر عرضة للعودة إلى دائرة الاستغلال بعد انتهاء الإجراءات القضائية، وهو ما يطيل عمر النشاط الإجرامي بدلاً من تفكيكه.


وقال مصطفى سعدون، رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "تعكس المؤشرات الرسمية أن المؤسسات الأمنية تحقق تقدماً في ملاحقة عدد من شبكات الاتجار بالبشر، وهو جهد مهم ينبغي البناء عليه، إلا أن الأرقام في الوقت ذاته تكشف تحدياً حقوقياً لا يقل أهمية، يتمثل في محدودية أعداد الضحايا الذين جرى التعرف عليهم مقارنة بحجم النشاط الإجرامي الذي تظهره التحقيقات".


قال أيضاً إن "الالتزام الحقيقي بقانون مكافحة الاتجار بالبشر وبالمعايير الدولية لا يقتصر على القبض على الجناة، وإنما يشمل توفير الحماية والإيواء والمساعدة القانونية والرعاية الصحية والنفسية للضحايا، وضمان عدم تعرضهم للمساءلة عن أفعال ارتبطت مباشرة بظروف استغلالهم".


ودعا المرصد العراقي لحقوق الإنسان السلطات العراقية إلى توسيع صلاحية تحديد صفة الضحية لتشمل، إلى جانب قضاة التحقيق، جهات متخصصة مدربة قادرة على الإحالة السريعة إلى الحماية، واعتماد بروتوكولات وطنية موحدة لفرز الضحايا وفق المعايير الدولية، وضمان عدم مساءلتهم عن أفعال ارتبطت مباشرة باستغلالهم.


كما دعا إلى إنشاء مراكز إيواء متخصصة بالأطفال الضحايا في عموم المحافظات، وفصلها عن مرافق الاحتجاز، وتسريع إنجاز التحقيقات وتنفيذ أوامر القبض الصادرة، مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة، توسيع برامج إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للضحايا، وتطوير آليات تعويضهم وجبر الضرر، وتكثيف الرقابة على شركات التشغيل والاستقدام ومكاتب الوساطة، وتوسيع حملات التوعية المجتمعية.