SHUTTERSTOCK
21-02-2023, 09:58




قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان (٢١ شباط ٢٠٢٣) إن مؤشر المخاطر والتهديدات التي تطال صحافيين ووسائل إعلام عاملين في العراق، عاود الارتفاع من جديد بعد تهديدات واستهدافات طالت صحافيين ووسائل إعلام.

 

لم يعد مستغرباً أن تقف السلطات العراقية موقف المتفرج من كل ما يحدث للصحافيين ووسائل الإعلام في العراق، فلطالما كانت السلطات سبباً في إفلات الجناة من العقاب وازدياد العنف المرتكب ضد الصحافيين. 

 

يعاني العراق منذ نحو عقدين من ظاهرة الإفلات من العقاب للجناة الذين ارتكبوا جرائم ضد الصحافيين العراقيين، حيث قتل ٤٧٥ صحافياً وعاملاً في مجال الصحافة منذ عام ٢٠٠٣ ولم يُحاسب الجناة سوى على حالتي قتل أو ثلاثة فقط. هذا يعني أن مؤشر الإفلات من العقاب في العراق مرتفع بشكل كبير ويضع العراق من ضمن البلدان التي تشكل أكثر خطورة على العمل الصحافي.

 

في (١٨ شباط ٢٠٢٣) تعرض مقر قناة UTV المملوكة لرجل الأعمال والسياسي خميس الخنجر إلى استهداف بقنبلة يدوية في شارع النضال في العاصمة بغداد. وتتخذ القناة من العاصمة التركية إسطنبول مقراً رئيسياً.

 

وأعلنت القناة استنكارها لما تعرضت له من استهداف، وأكدت أنها "تنتهج خطاباً معتدلاً في تغطياتها" ودعت قناة UTV القوات الأمنية إلى توفير الحماية لمقرها في بغداد والتحقيق بالحادثة التي تعرضت لها.

 

وفي (١٩ شباط ٢٠٢٣) رفعت دعوى قضائية ضد مقدم البرامج في القناة عدنان الطائي بتهمة "إثارة النعرات الطائفية" بعد أن تطرق خلال حلقة برنامجه الذي بثه في (١٣ شباط ٢٠٢٣) إلى المنشد الديني باسم الكربلائي وتساءل: "ألا تعتبر بعض أناشيده الدينية مثيرة للنعرات الطائفية، وألا يُحاسبه القانون".

 

وقال عدنان الطائي خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "تلقيت الكثير من التهديدات، لا يمكن لأحد أن يتصورها. أتوقع لو أنهم مسكوني لقطعوني إرباً".

 

وعن الدعوى القضائية التي رفعت ضده قال الطائي: "أنتظر قرار القضاء العراقي، لدي ثقة بالقضاء، ويجب على القضاء أن يستند إلى أدلة ووقائع قانونية".

 

وخلال الشكوى التي قدمها أحد المحامين ضد عدنان الطائي، اتهمه بـ"أن تساؤله كان سبباً في الهجمة الإرهابية التي شهدها قضاء الطارمية شمالي بغداد في (١٦ شباط ٢٠٢٣)".

 

هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها قناة UTV إلى الاستهداف، ففي (٤ أيلول ٢٠٢٠) تعرضت القناة إلى تهديد بالحرق بعد أن "اتُهمت باستهداف المرجعية الدينية الشيعية". وفي (٢٨ تشرين الأول ٢٠٢١) تعرضت القناة إلى التهديد أيضاً بعد أن وصلت مجموعة مسلحين وسلمت القناة "قداحة نار وتهديدات بالحرق".

 

وقبل ذلك في (١٧ شباط ٢٠٢٢) تعرضت القناة إلى تهديدات جديدة بعد أن اتهمها أنصار الحشد الشعبي بـ"الإساءة إلى القيادي في الحشد عبد العزيز المحمداوي المعروف باسم (أبو فدك)".

 

لا يمكن ضمان سلامة الصحافيين ووسائل الإعلام العاملة في العراق مهما كانت مساحة حرية التعبير متاحة، ومهما كان هناك استقراراً في موقف السلطات والقِوى السياسية والمسلحة تجاه حرية الصحافة، إلا أنه استقراراً هشاً ويُمكن أن ينتهي في أية لحظة.

 

لم تعمل حكومة محمد شياع السوداني التي نالت ثقة مجلس النواب العراقي في (٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٢) على حماية الصحافيين ووسائل الإعلام، وانتهجت نهجاً مطابقاً للحكومات السابقة وهو الصمت على الاعتداءات التي تتعرض لها حرية الصحافة والصحافيين، ما لم تكن شريكة فيها.

 

في (٢ تشرين الثاني ٢٠٢٢) حث المرصد العراقي لحقوق الإنسان حكومة محمد شياع السوداني على التحقيق في عمليات قتل الصحافيين العراقيين الذين قتلوا خلال السنوات الماضية دون أية محاسبة للجناة وألا تنتهج حكومته ذات النهج الذي كانت عليه الحكومات السابقة، لكن لا بوادر واضحة على أي تحركات.

 

وفي (١٧ شباط ٢٠٢٣) أبلغ مدير مكتب قناة العراقية (شبه الرسمية) في بيروت أمين ناصر المرصد العراقي لحقوق الإنسان بتلقيه تهديدات بالقتل وقال: "فجر يوم ١٧ شباط وردني اتصال من رقم هاتف عراقي وقال لي أينما تكون سنقطعك، إن كنت في بيروت أو بغداد".

 

وأضاف: "سألته لماذا تهدد، هل هناك علاقة بيننا، من أنت؟ فتصاعد الصراخ بيننا. أرسلت الرقم للأجهزة الأمنية العراقية، وأبلغتني بضرورة تقديم بلاغ رسمي. هذه المرة الثانية التي أتعرض فيها للتهديد خلال ثلاثة أشهر، وهناك قادة أمنيين يعلمون بالأمر بعد أن أبلغتهم به".

 

يتنقل أمين ناصر بين بغداد وبيروت، ويشارك في مجموعات الواتساب في نقاشات حادة مع سياسيين ومسؤولين، ويكتب بشكل مستمر على حسابه في الفيس بوك عن فساد مسؤولين عراقيين، خاصة الذين يقيمون بين بغداد وبيروت، ويتناول في بعض الأحيان معلومات عن ملفات أمنية حساسة تتعلق بإرهابيين كِبار أو شخصيات متنفذة مطلوبة للعدالة.

 

وفي (٢ شباط ٢٠٢٣) كان الإعلامي جعفر عبد الكريم الذي يقدم برنامج (جعفر توك) لصالح قناة DW الألمانية في العاصمة العراقية بغداد لتصوير حلقة تلفزيونية تتحدث عن (الاحتجاجات – الفساد – حقوق المرأة) وفقاً لما أبلغ به المرصد العراقي لحقوق الإنسان.

 

لكن عبد الكريم اضطر إلى إلغاء الحلقة رغم التحضيرات المكتملة من إعداد ضيوف وموقع تصوير، قبل أن يغادر العاصمة العراقية عائداً إلى ألمانيا.

 

قبل وصوله إلى العراق، واجه جعفر عبد الكريم حملة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تهاجمه بسبب ما يتناوله في برنامجه من قصص تعتبر "محرمة" في المجتمع العراقي، ويتهم بـ"الترويج للمثلية الجنسية". وهددته حسابات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ونقل موقع DW عن جعفر عبد الكريم قوله: "فجأة طلبت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية التابعة للدولة تصريحاً خاصاً من الفريق لتصوير الحلقة، رغم أن مثل هذه التصاريح يقدمها ويحصل عليها شركاء مؤسسة DW في العراق".

 

وذكر موقع DW في بيانه الاستنكاري حول الحادثة: "زار ممثل عن وزارة الداخلية مساء الأربعاء (١ شباط ٢٠٢٣) الفندق الذي يسكن فيه فريق برنامج (جعفر توك). وبحسب المعلومات الواردة إلى مؤسسة DW أبلغ الإعلامي جعفر عبد الكريم بأنه لم يعد مسموحا له تصوير الحلقة من دون الحصول على تصريح خاص، وبأنه سيتعرض للاعتقال في حال قيامه بالتصوير. كما أن الحكومة لا يمكنها ضمان سلامته".

 

وقال جعفر عبد الكريم إن "ما حدث كان إجراءً تعسفياً ضده وفريق عمله. قبل يوم من التصوير كانت تطرح مطالب جديدة علينا وتفرض قيود جديدة كل ساعة".

 

قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن على السلطات العراقية توفير الحماية للصحافيين العراقيين والأجانب العاملين في البلاد، وألا يسمحوا بتحويل العراق إلى بيئة غير آمنة بشكل تام للعمل الصحافي، وأن تحافظ مؤسسات الدولة على حرية الصحافة باعتبارها العامود الفقري لأي نظام ديموقراطي.

 

لم يتقدم العراق في مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود، بل لم يحافظ على موقعه عندما كان في المركز ١٦٣ في عام ٢٠٢١، وتراجع تسع مراتب في عام ٢٠٢٢ ليكون في المركز ١٧٢ من مجموع ١٨٠ دولة يغطيها المؤشر.

 

يتحتم على السلطات ألا تزيد من مساهماتها في إفلات الجناة من العقاب، فغياب حرية الصحافة سيحول البلاد إلى سجن كبير مهما كان الحديث واسعاً من قبل القِوى السياسية والمتنفذين عن وجود ديموقراطية أو وجود مساحة لحرية التعبير، فالمؤشرات هو ما موجود على أرض الواقع.