اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري - المرصد العراقي لحقوق الإنسان
30-08-2023, 10:00





يوثق هذا التقرير شهادات نساء عراقيات فقدن أولادهن خلال السبع سنوات الماضية ولم يعرفن مصيرهم حتى الآن. قابلنا في هذا التقرير نساء عراقيات في محافظتي نينوى والأنبار، ونقلنا شهاداتهن مثلما هي. كما يتضمن التقرير رقماً تقريبياً لأعداد العوائل التي بلغت عن ذويها المفقودين خلال السنوات الست الماضية، وما هي الإجراءات التي اتبعتها الحكومات العراقية في هذا الملف.




قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان (٣٠ آب ٢٠٢٣) إن المختفين قسراً والمفقودين في العراق، باتوا في طي النسيان وصاروا مجرد أرقام تُذكر في وسائل الإعلام وفي المناسبات فقط، من دون تحركات لمعرفة مصيرهم.

 

إن جهود الحكومات العراقية غير واضحة بشأن هذا الملف، وربما لم تكن هناك جهوداً في الأساس، خاصة مع اتساع رقعة اليأس لدى عوائل المختفين قسراً والمفقودين، وهذا بحد ذاته يعطي مؤشرات سلبية على ضياع الأمل وفقدان مصيرهم.

 

قابل المرصد العراقي لحقوق الإنسان نساء في محافظتي نينوى والأنبار، وأكدن جميعهن عدم وجود معلومات أو مساع بشأن من اختفى قسراً أو فقد منها. بات اليأس يُسيطر على الكثير من العوائل مع اقتراب مرور عقد على اختفاء ذويهم خلال عمليات تحرير المدن من تنظيم "داعش".

 

زار المرصد العراقي لحقوق الإنسان (أم مثنى) وهي امرأة في عقدها السادس وتسكن في ناحية الصقلاوية بمحافظة الأنبار، وهي الناحية التي تشير المعلومات بأنها شهدت اختفاء وفقدان أكثر من ٦٠٠ شخصاً عام ٢٠١٦، لكن عوائل فيه أشارت إلى أن الرقم يتجاوز الـ٧٠٠ شخصاً.

 

قالت (أم مثنى) من داخل منزلها في قضاء الصقلاوية خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "في (٣ حزيران ٢٠١٦) خرجنا من ناحية الصقلاوية باتجاه الجيش العراقي، وحينها بدأ القصف والصواريخ تسقط من حولنا. استقبلنا الجيش والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي، وأشخاص يرتدون عمائم خضراء".

 

وأضافت: "أخذوا الرجال وقالوا سنعيدهم لكم خلال ساعة واحدة بعد أن ننتهي من تدقيق أسمائهم، لكنهم بعد مرور ثماني سنوات لم يعودوا. هناك سجناء خرجوا من السجون قالوا لنا إنهم رأوا أولادنا في سجون سرية".


 

تتذكر (أم مثنى) كيف استقبلتها القوات الأمنية العراقية عندما خرجت مع ولديها من الصقلاوية، وكيف رحبوا بها: "قالوا جئنا لتحريركم. أخذوا ولدي مثنى وأحمد، لا أعرف مصيرهما حتى الآن. أين الحكومة".

 

قالت بألم: "علقنا في منازلنا تحت سطوة داعش، والآن نحن عالقون بين السماء والأرض. لا نعرف مصير أولادنا. قالوا (في إشارة للقوات الأمنية العراقية) سندقق في أسمائهم وأخذوهم منا. هل من المعقول أن ٧٥٠ رجلاً جميعهم ينتمون لداعش".

 

أصدر المرصد العراقي لحقوق الإنسان في (٣٠ آب ٢٠٢٢) بمناسبة اليوم العالمي للمختفين قسراً تقريراً وثق فيه قضية المفقودين والمغيبين قسراً في العراق وتضمن شهادات لذوي المفقودين والمغيبين قسراً. ١١ ألف عائلة أبلغت عن فقدان ذويها خلال سنوات (٢٠١٧ – ٢٠١٨ – ٢٠١٩ – ٢٠٢٠ – ٢٠٢١).


في مدينة الموصل مركز محافظة نينوى قابل المرصد العراقي لحقوق الإنسان (أم أحمد) وهي امرأة في عقدها السابع، وتحدثت عن فقدان ولدها منذ عام ٢٠١٧ دون أن تعرف أي شيء عنه حتى الآن.

 

قالت (أم أحمد) خلال حديثها إلى المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "بتاريخ (١٣ كانون الثاني ٢٠١٧) اعتقلت القوات الأمنية العراقية ابني أحمد هاشم سلطان في منطقة وادي حجر عندما بدأت عمليات تحرير الموصل من داعش، ومنذ ذلك اليوم لم نعرف أي شيء عنه".

 

وأضافت: "نسمع بعض الأخبار عنه بين فترة وأخرى تشير إلى أنه ما زال على قيد الحياة. لدينا اعتقاد بأنه ما زال على قيد الحياة ونطالب الحكومة في إعادته إلينا. تحملنا الكثير ونريد أولادنا".


أم أحمد - مدينة الموصل - تصوير المرصد العراقي لحقوق الإنسان


يعاني العراق منذ أكثر من خمسين عاماً من حالات الاختفاء القسري التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى ظاهرة اختفى بسببها الآلاف، ورغم اعتراف جميع الحكومات العراقية بهذه المأساة، إلا أنها لم تتخذ إجراءات فعلية لمعرفة مصير المختفين والمفقودين.


قال مصطفى سعدون رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "لا يمكن أن يتحول ملف المختفين والمفقودين إلى مجرد رقم ومناسبة نستذكرها ومن ثم تُنسى. لم تتخذ كل الحكومات العراقية إجراءات فاعلة وحقيقية لمعرفة مصير المختفين والمفقودين، بل اعتمدت على تشكيل لجان لم تصل إلى الحقائق".

 

وأضاف: "هناك لجان توصلت إلى بعض الحقائق لكن النتائج لم تُعلن لأسباب سياسية. عوائل المختفين والمفقودين بدأوا يفقدون الأمل، وهذا الشعور يعزز آلامهم وجراحهم. لا يُمكن لهؤلاء الناس أن يفقدوا الأمل، ويجب أن يعرفوا مصير من فقدوا".

 

في عام ٢٠١٠ صادق العراق على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري، ومن المفترض أن يلتزم بتشريع قانون تتطابق مواده مع هذه الاتفاقية، لكن مجلس النواب العراقي في أربع دورات متتالية منذ تاريخ التصديق على الاتفاقية، لم ينجح بتشريع أي قانون يتعلق بالاختفاء القسري.

 

منذ سنوات طرحت مسودة لقانون الاختفاء القسري لكنها لم تر النور، ولم تدخل ضمن القوانين قيد عملية التشريع في مجلس النواب العراقي، وشارك المرصد العراقي لحقوق الإنسان في عام ٢٠١٩ بمناقشة مسودة برعاية مفوضية حقوق الإنسان العراقية ومشاركة الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن العمل عليها توقف.

 

قابل المرصد العراقي لحقوق الإنسان (أم عدي)، وهي امرأة في عقدها السابع، وتتحدث بألم عن فقدانها تسعة من أولادها، وسُميت في ناحية الصقلاوية بمحافظة الأنبار بـ"أم التسعة" في إشارة إلى فقدانها أولادها.

 

قالت للمرصد العراقي لحقوق الإنسان: "خلال عمليات تحرير ناحية الصقلاوية في (٢ حزيران ٢٠٢١٦) وتحديداً في الساعة الثامنة ليلاً، تقدمنا على القوات الأمنية العراقية عندما هربنا من منازلنا. عندما وصلنا إليها (القوات الأمنية)، بدأ عناصر الأمن بعزل الرجال عن النساء".

 

وأضافت: "سألتهم عن سبب عزل الرجال عن النساء، فقالوا سندقق أسمائهم أمنياً ومن ثم نعيدهم لكم، لكن حتى الآن لم يعودوا. فقدت تسعة من أولادي وهم: (عدي مواليد ١٩٨١ – لؤي ١٩٨٣ – عبد الستار ١٩٨٥ – بشار ١٩٨٧ – جاسم ١٩٩١ – محمد ١٩٩٣ – بلال ١٩٩٤ – ميسم ١٩٩٦ – أحمد ١٩٩٨".

 

وتتحدث بألم وهي بانتظار عودتهم: "سبعة منهم متزوجون ولديهم أطفال. أنا وزوجاتهم ننتظرهم ولم نقطع الأمل بالله تعالى. اختفى في ذات اليوم ٧٥٠ رجلاً في منطقة (ألبو عكاش) بناحية الصقلاوية ولا أحد يعرف عنهم شيئاً حتى اللحظة".

 

وبحسرة كبيرة قالت: "ننتظر عودتهم، ولا نريد شيئاً من أحد غير أن يعود لنا أولادنا. ما ذنب أطفالهم ونساؤهم، وما ذنبي أن أفقد أولادي التسعة".


أم عدي - ناحية الصقلاوية - تصوير المرصد العراقي لحقوق الإنسان


قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، يتحتم على مجلس النواب العراقي بدورته الحالية، أن يعي أهمية وجود قانون يتعلق بالاختفاء القسري، يتضمن العمل الممنهج والواضح لكشف مصير آلاف المختفين والمفقودين، وإنشاء هيئة مستقلة تعنى بمتابعة الملف، شرط مشاركة منظمات حقوق الإنسان المحلية والصليب الأحمر والأمم المتحدة، لتحقيق أكبر قدر من الشفافية وإعلان النتائج للرأي العام.

 

وفقاً لمعلومات المرصد العراقي لحقوق الإنسان، فإن نحو ١٢ ألف عائلة عراقية أبلغت عن مفقودين بين عامي ٢٠١٧ – ٢٠٢٣، ولا يعني هذا الرقم أن أعداد المفقودين والمختفين تنحسر به فحسب، بل هناك المئات من العائلات التي تخشى التحرك قانونياً للمطالبة بمعرفة مصير أولادها. يشكل هذا الخوف لدى هذه العائلات نقطة التحول من الأمل إلى فقدانه حتى بمعرفة المصير.

 

يتابع المرصد العراقي لحقوق الإنسان منذ نحو عقد ملف المفقودين والمختفين قسراً، ويتابع أيضاً إهمال الحكومات العراقية لهذا الملف والتعامل معه على أنه ليس من الأولويات.

 

قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، لا يُمكن أن يُنسى المختفين والمفقودين، أو يُطوى ملفهم، ولا يُمكن أن يستمر تجاهل السلطات العراقية لهذا الملف الحساس. المسؤولية كبيرة  على عاتق مؤسسات الدولة، وهي مُلزمة بكشف مصير هؤلاء الأشخاص مهما كانت النتائج، وألا تُفضل الحسابات السياسية على حالة حقوق الإنسان في البلاد.






                                          فيديو تقرير عام ٢٠٢٢